الجزر “الديمقراطية” تحت الاحتلال!

 

 

 

 

 

المحامية روني بيلي

المخطّط الجديد لتطبيق القوانين المدنيّة الإسرائيليّة في مناطق الضفة الغربيّة المحتلّة الذي تنوي وزيرة القضاء الإسرائيليّة، أييلت شاكيد، دفعه قدمًا، يزيل الغطاء عن حقيقة ما يجري في الضفّة منذ عقود. فاليوم تسري، ظاهريًّا على الأقّلّ، سيادة الحاكم العسكريّ الإسرائيليّ على كلّ مناطق الضفّة الغربيّة التي يسكنها الفلسطينيّون المستوطنون على حد سواء، في حين تريد شاكيد أن يتمّ تطبيق سيادة الكنيست وقوانين دولة إسرائيل المدنيّة المستوطنين في حين يستمرّ الفلسطينيّين في الخضوع للحاكم العسكري.

لقد بنتِ الجهات السياسيّة والقضائية والعسكريّة في إسرائيل، مدماكًا إثر مدماكٍ، على مدى 49 سنة من الاحتلال، جدران الفصل العنصريّ بين الفلسطينيين والمستوطنين الذين يعيشون في المنطقة ذاتها. عمليًّا، المُستوطنُ الذي يعيشُ في منطقة خاضعة لسيطرة القائد العسكريّ، يتمتّعُ رغم ذلك بالحقوق والحمايات التي يتمتّع بها المواطن الذي يعيش في دولة اسرائيل “الديمقراطيّة”. فهو ينتخب منتخبيه للكنيست – ويمكنه أن يُنتخَب بنفسه للكنيست – وهو يؤثّر على مستقبله وعلى مستقبلنا جميعًا، كما لو أنّه يعيش داخل الدولة تمامًا. أمّا جاره الفلسطينيّ، في المقابل، فهو يعيش تحت حكم عسكريّ وقمعيّ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وليس له أيّ سيطرة على مصيره.

قوانين دولة إسرائيل تسري، بشكل غير مباشر في اغلب الأحيان، على كلّ يهوديّ يسكن في المناطق المحتلة، سواء كان مواطنًا إسرائيليًّا أم لا، في حين يُطبّق على الفلسطينيين القانون العسكريّ. الفرق بين هذه القوانين هائل، كما فصّلنا ذلك في تقرير جمعية حقوق المواطن “نظام حكم واحد، جهازان قضائيّان“.

الغاية من منظومة القوانين التي يعيش في ظلّها المستوطنون هي الحفاظ على سلطة القانون في دولة ديمقراطيّة والحفاظ على حقوق سكّانها. من قام بسنّ هذه القوانين هو نظام حكم منتخب. القانون العسكري ليس كذلك، فهو في جوهره غير ديمقراطيّ، لأنه لا توجد ديمقراطية تحت الاحتلال. إنّه أمر مربك قليلاً، لذلك يجب التوضيح: المناطق كلّها هي مناطق محتلّة، بما في ذلك المستوطنات. بموجب القانون الدوليّ لا توجد، ولا يجب أن تكون هناك ديمقراطية ما دام الاحتلال العسكري قائمًا. ممنوعٌ على المحتلّ أن يطبّق قانونه على المناطق المحتلّة، وإنّما عليه أن يُبقي القانون الذي كان معمولاً به في المكان قبل الاحتلال وحماية السكّان المحليّين وفقًا له او بتغييرات اضطرارية لملائمته للواقع الجديد. إنّ محاولة خلق وضع جديد في المناطق مفاده “نصف ضمّ نصف احتلال” لا يمكن أن يتحقّق فعلاً، لا قانونيًّا ولا أخلاقيًّا. إنّ المساس بحقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيين الناجم عن هذه المحاولة هو جسيمٌ.

تريد الوزيرة شاكيد أن تجرّنا إلى نفس الطّريق التي سار فيها كثيرون قبلها. التغيير الجوهريّ هو أنه مع مرور الوقت تحسّنت الجاهزية والقدرة على تفسير إخضاع المجموعتين السكانيتين، اللتين تعيشان في نفس المنطقة، لمنظومتين قضائيّتين منفصلتين وتمييزيّتين. قبل نحو ثلاثة عقود، صُدِم القاضي إلياهو ماتسا من إنسانٍ كتب أنّ هناك منظومتين قضائيتين في الضفّة. في قرار الحكم الذي أصدره في “قضية شاعر” كتب ما يلي: “ادّعاء الملتمس يستند إلى ثلاث فرضيّات خاطئة من أساسها. افتراضه الأول بأنّ صلاحية القائد العسكري للمنطقة لا تطبّق بشكل متساوٍ، على مجمل بني البشر الذين يعيشون في المنطقة، الخاضع لسيادته حسب قواعد القانون الدّوليّ، إنما يسري، على نحو مميّز، على قسمٍ من سكّانها فقط. هذه الفرضيّة – هل هناك حاجة للقول بأنها غير صحيحة؟ – تنافي المبادئ الأساسيّة.”

قبل عقدين من الزمن، شرح القاضي إليعيزر غولدبيرغ في التماس الشركة الاقتصادية للقدس، بأنّه لا خيار لدينا: “هكذا هو الأمر، لقد أجبر الواقع على الأرض تشريع قانون في الكنيست يميّز بين القانون الشخصيّ الساري على مستوطنين إسرائيليين في المنطقة… وبين القانون المطبّق على السكّان المحليين”.

قبل عقدٍ من الزمن، كان أسهل على نائب رئيسة المحكمة العليا (حينها) القاضي إلياكيم روبنشطاين أن يفسّر هذا الفصل في حديثة عن المستوطنات خلال التماس حركة “السلام الآن”: الـجيوب هي بمثابة “جزر” طُبّق عليها قوانين إسرائيل عبر اعتماد طرق قضائية، ومن منطلق الافتراض بأنه لا فرق حقيقي في مجالات كثيرة بين القانون المطبّق في إسرائيل وبين هذا الذي يجدر تطبيقه في هذه الجيوب. ونحن نتداول حول مواطنين إسرائيليين، فالافتراض هو أنّ ركائز حياتهم يجب أن تكون قريبة قدر الإمكان من تلك القائمة لدى بقيّة مواطني إسرائيل”.

وزيرة القضاء وسائر أعضاء الحكومة غير معنيين بمواجهة الأبعاد الصعبة لتطوّر نظام مؤسَّس وتمييزيّ، يرتكز على فوقيّة اليهود على العرب. كذلك فإنّ الجهاز القضائيّ أيضًا لا يجرؤ على مواجهتها. وهنا يُسأل، ما الذي تغيّر؟ ليس كثيرًا. انها لُبنة أخرى في جدار الفصل القضائي الذي يبنيه الاحتلال منذ نحو نصف قرن.

Share and Enjoy:
  • LinkedIn
  • Twitter
  • Facebook
  • Print
  • email

קטגוריות: التربية لحقوق الانسان, الحق في الحياة وسلامة الجسد, الحق في المسكن اللائق, القانون الإنساني الدولي, حرية الحركة والتنقل, حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة

مفتاح :.

Comments are closed.